الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

123

نفحات القرآن

واختراعهما مع عظمهما وكثرة أجزائهما يقدر على إعادة خلق البشر « 1 » . والإتيان بجملة : « وَلَكِنَّ اكْثَرَ النَّاسِ لَايَعْلَمُونَ » كما قال كثير من المفسّرين : ليس بمعنى أنّهم في الواقع لا يعلمون بأنّ « خلق السماواتِ بتلك الدقّة والعظمة أرقى من إعادة خلق الإنسان » ، بل قد نُزِّلوا منزلة الجاهل في هذه الأمور لأنّهم غفلوا عنها ولم يفكّروا ويُمْعِنوا فيها وذلك لتعصبهم واتباعهم الهوى فضلوا في أمر المعاد « 2 » . والعجيب هنا هو أنّ في تلك العصور لم تكتشف بعدُ عظمة السماواتِ كما هو الحال في عصرنا الحاضر ، والقليل من الناس كان له اطلاع آنذاك على الأسرار العظيمة التي كُشفت عن طريق التقدم العلمي في العصور الحديثة ، وكانوا لا يعلمون منها إلّاظاهرها ، لكنّ القرآن الكريم المترشح من علم اللَّه اللامحدود رفع الحجاب عن تلك الأسرار . وهناك ملاحظة هي : أنّ اللام في « لخلق » هي « لام الابتداء » ظاهراً وقد جاءت هنا للتأكيد . وفي الآية الثانية وبعد أن نقل كلام المنكرين الذين أنكروا إعادة خلق الإنسان بعد استحالة عظامه وصيرورتها تراباً ، قال تعالى : « أَوَلَمْ يَرَوا انَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ » . التعبير ب « مثل » هنا من الممكن أن يكون للدلالة على خلق البشر ثانياً ، لأنّ خلقهم يكون كالسابق ، ومن الممكن أيضاً أن يكون للدلالة على أنّ اللَّه تعالى قادرٌ على خلق آخرين من البشر من جديد كما خلق هؤلاء ، فكأنّه يقول عندما يكون اللَّه قادر على خلق هؤلاء فإنّه قادرٌ على خلق غيرهم . وهناك احتمال آخر هو أنّ الأبدان المخلوقة من جديد مهماكانت فهي ليست عينَ تلك الأبدان السابقة ، وذلك لأنّ مادّتها الأولى تعود مع كيفية وهيئة جديدة غير تلك

--> ( 1 ) تفسير الطبرسي ، ج 8 ، ص 529 ؛ وتفسير القرطبي ج 8 ، ص 5769 ؛ وتفسير روح البيان ج 8 ، ص 199 . ( 2 ) تفاسير مجمع البيان ؛ الكشاف ؛ وروح المعاني ذيل الآية مورد البحث .